٥ شوال ١٤٤٧هـ - ٢٤ مارس ٢٠٢٦م
الاشتراك في النشرة البريدية
عين الرياض
المال والأعمال | الثلاثاء 24 مارس, 2026 8:23 صباحاً |
مشاركة:

البيتكوين عام 2026: كيف تؤثر الأحداث الاقتصادية والجيوسياسية عليه

البيتكوين هو أول عملة رقمية لا مركزية تم إصدارها عام 2009 على يد شخص مجهول تحت اسم ساتوشي ناكاموتو. يعمل نظام البيتكوين عبر شبكة عالمية من الحواسيب التي تتحقق من المعاملات وتخزنها في سجل عام مشترك يُعرف بـ«البلوكتشين» بدون سلطة مركزية. يميّز البيتكوين سقف عرض ثابت يبلغ 21 مليون عملة، إذ تنخفض كمية العملات الجديدة بشكل دوري حتى عدم إصدار المزيد بعد الوصول إلى هذا الحد. بهذا الشكل، يُنظر إلى البيتكوين باعتباره عملة ذات عرض محدود، مما يجعله مختلفًا عن العملات الورقية التقليدية من حيث قابلية التوسع النقدي. وفي ظل هذا الطابع الفريد، يزداد اهتمام المستثمرين بمتابعة توقعات سعر البيتكوين، خاصة في الفترات التي تشهد أزمات اقتصادية أو توترات جيوسياسية قد تنعكس مباشرة على حركة السوق واتجاهات الأصول الرقمية.

 

لماذا يُنظر إلى البيتكوين كمخزن للقيمة وأصل بديل

لدى الكثيرين دوافع لأن يعتبروا البيتكوين أشبه بما يشبه «الذهب الرقمي»، أي مخزنًا للقيمة بديلًا عن العملات النقدية. الأسباب الرئيسية تشمل ندرة البيتكوين (إصداره محدود إلى 21 مليون فقط)، بالإضافة إلى استمرارية وجوده واستقلاله عن سياسات البنوك المركزية. يقول تقرير تعليمي إنّ “السبب الأساسي في اعتبار البيتكوين مخزنًا للقيمة هو كميته المحدودة (21 مليون) وتناقص العرض الجديد عبر آلية النصف”. هذا يعطيه خصائص تضخمية عكسية، تشبه الذهب من حيث الندرة.

 

ومع ذلك، يجدر التنويه بأن البيتكوين يشهد تقلبات حادة. فمثلاً، لاحظ تقرير من مارس 2026 أن سعر البيتكوين ارتفع/انخفض بنسبة تراوحت حول 8.5% خلال هجمات جيوسياسية سابقة، وأنه تراجع بنحو 47% من ذروته التاريخية (≈126 ألف دولار في أكتوبر 2025) إلى حوالي 67 ألف دولار بحلول أوائل مارس 2026، بالتزامن مع تراجع أسهم قطاع التكنولوجيا. وتؤكد الدراسة أيضًا أن البيتكوين ظل مرتبطًا بحركة المؤشرات المالية الرئيسية؛ فقد وجدت تغايرًا بنسبة 0.78 مع مؤشر “إس آند بي 500” في مارس 2026، مما يدل على أنه –على الأقل حتى ذلك الحين– تحرك غالبًا مع الأسهم والأصول ذات المخاطرة العالية أكثر من كونه ملاذًا آمنًا مستقلًا.

 

الأزمات الاقتصادية وسياسات البنوك المركزية وتأثيرها

تؤثر السياسة النقدية للبنوك المركزية بشكل مباشر على المزاج المالي العالمي، وبالتالي على البيتكوين. فارتفاع الفائدة مثلاً يجعل الاقتراض أكثر تكلفة، ويميل المستثمرون إلى أصول آمنة تُوفر عائدًا (كالسندات أو الودائع)، مما يقلل الجاذبية النسبية للأصول غير ذات العوائد الثابتة مثل البيتكوين. في مارس 2026، أدت موجة ارتفاع أسعار النفط بفعل توترات الشرق الأوسط إلى زيادة المخاوف التضخمية؛ فعلى إثر ذلك خفّض بنك جولدمان ساكس توقعاته لبدء خفض الفائدة في الولايات المتحدة من يونيو إلى سبتمبر 2026. بمعنى آخر، ظلت أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول من المتوقع بسبب صدمة النفط، وهو ما يُضعف الطلب قصير الأجل على الأصول ذات المخاطر مثل البيتكوين.

 

من جانب آخر، قد تجد البيتكوين دعماً نظريًا في بيئات التضخم المرتفع. فبعض المحللين يرون أن التضخم المدفوع بالصدمات العرضية (كارتفاع النفط) قد يقوِّض ثقة المستثمرين في العملات التقليدية ويشدّد الاهتمام بأصول محدودة العرض. في ظل هذه الظروف، يوصف البيتكوين أحيانًا بأنه «تحوُّط رقمي» ضد فقدان القوة الشرائية، خاصة أن المعروض منه ثابت ومعلوم مُسبقًا. لكن بيتكوين يظل في نهاية المطاف عرضة لتوقعات السياسة النقدية: فإذا أدت الضغوط التضخمية إلى مشكلات اقتصادية دفعت البنوك المركزية لرفع معدلات الفائدة بقوة، فسوف يتراجع البيتكوين مع بقية الأصول الخطرة. أما إذا بقيت السياسات مقيدة (أي اقتصادية بشكل معتدل) رغم ارتفاع التضخم، فقد تتجه تدفقات جديدة نحو البيتكوين كأصل محافظ على القيمة.

 

تقلبات الأسواق المالية وعلاقة البيتكوين بها

تُظهر البيانات حتى عام 2026 أن البيتكوين بات جزءًا من المنظومة المالية العالمية وليس جزيرةً منعزلة. في البيئات عالية المخاطر، غالبًا ما تُباع جميع الأصول السهلة التداول (مثل البيتكوين) لتوفير السيولة. بعبارة أخرى، عندما يخاف المستثمرون –مثلما حدث في أوقات الاضطراب الاقتصادي– فإنهم يميلون لجني أرباحهم وبيع الأصول، بما فيها البيتكوين. ولهذا رأينا مثلاً أن البيتكوين هبط مع أسهم التكنولوجيا والأسواق العريضة حين اجتاحت الأسواق حالة من التقلب الشديد بين أكتوبر 2025 ومارس 2026. من الجدير بالذكر أن العملة المشفرة لا تتوقف عن التداول إلا في حالة انقطاع التيار الكهربائي العالمي؛ فهي (بخلاف البورصات التقليدية) مفتوحة 24/7. وهذه الخاصية تُتيح لها امتصاص الصدمات بوتيرة أسرع من الأصول التي لا تتداول في عطلات نهاية الأسبوع، لكنها أيضاً تعني أنها عرضة لتحولات سريعة في المعنويات.

 

التوترات الجيوسياسية وأمثلة من عام 2026

أحداث السياسة العالمية تؤثر بشكل كبير على البيتكوين عبر العديد من القنوات. على سبيل المثال، مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران مطلع 2026، قفزت أسعار النفط نحو 15% لتصل إلى حوالي 83 دولارًا للبرميل. زيادة أسعار النفط بهذا الشكل تضغط على التضخم العالمي وتثير مخاوف اقتصادية، مما يؤجج بدوره ضبابية حول أسعار الفائدة (كما رأينا مع مراجعة جولدمان ساكس لتوقعاته). رغم هذه الاضطرابات، لوحظ أن البيتكوين حافظ على دعم عند مستويات تقارب 65 ألف دولار خلال أولى جلسات مارس 2026. وقد فسَّر بعض المحللين ذلك بأنه إشارة إلى قوة الطلب الداخلي على البيتكوين كمخزن بديل، خاصة وأن المعدن النفيس “الذهب” كذلك شهد تدافعًا طلبه كملاذ تقليدي.

 

في مسح نشره موقع Whalesbook في 15 مارس 2026 تبين أن البيتكوين ظل حول 70,934 دولارًا وسط هذه التوترات الشرق-أوسطية. لكن التقرير أشار إلى أن البيتكوين كان مرتبطًا بحركة الأسهم بنفس الدرجة تقريبًا، وأنه لم يقدم أداءً موثوقًا كملاذ آمن منفصل تمامًا. فمثلاً، بينما ارتفعت أسعار النفط إلى ما فوق 103 دولارات بسبب قيود العرض، بقيت عملة البيتكوين على موقف ثابت تقريبًا واكتسبت مكاسب أسبوعية بسيطة. هذا دفع البعض لإعادة التفكير في دور البيتكوين كهجينة للتحوط من الاضطرابات (أي كـ«ذهب رقمي»)، لكن آخرين ينبهون أن ميزاتها التقنية –كالتداول المستمر وخاصية الندرة– قد تخفف فقط من الخسائر نسبياً دون جعلها تحل مكان الملاذات التقليدية بالكامل.

 

وخلاصة القول فإن حتى عام 2026، يستمر البيتكوين في التأثر بتقلبات الأزمات الاقتصادية والاضطرابات الجيوسياسية، لكنها تؤثر عليه بطريقتين متعاقبتين. في المدى القصير، غالبًا ما يُباع البيتكوين إلى جانب الأصول الخطرة الأخرى عند وقوع صدمات مفاجئة، حيث يبحث المستثمرون عن السيولة. لكن على المدى الطويل، فإن الاضطرابات التي تضعف الثقة بالنظام المالي (كالقيود على التحويلات أو التضخم المزمن) يمكن أن تعيد تعزيز شعبيته كأصل بديل بعيد عن الرقابة الحكومية. وبشكل عام، لا تزال طبيعة البيتكوين المعقدة وارتفاع نضجه مؤسسيًا يجعلها حساسة لتوقعات السياسة النقدية وأداء الأسواق. فبينما تدعم التدفقات المؤسسية في عام 2026 قاعدته السعريّة (كما شهدنا مع دخول رؤوس أموال من صناديق مؤشرات بيتكوين)، تستمر المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية بإعطاء البيتكوين «حالة تأرجح» دائمةً بين كونه أصلًا مخاطِرًا وآخرًا للملاذ.

 

مشاركة:
طباعة
اكتب تعليقك
إضافة إلى عين الرياض
أخبار متعلقة
الأخبار المفضلة